الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
13
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
أخرى لم يتجه بها أحد من المسلمين الأولين ، والسبب في هذا الانحراف هو ما منى به العلماء من التعصب المذهبى ، إذ حملهم هذا على الاكتفاء بما وصل إلى أيديهم من ترك السابقين ، وقالوا : إن السابقين كفونا مئونة البحث في آي الذكر الحكيم استنباطا لحكم شرعي ، أو تفسيرا لآية ، وجعلوا بينهم وبين النظر في الكتاب حجابا كثيفا من التقليد والتعصب للمجتهدين السابقين ، اعتزازا بفضلهم ، وتابعهم المسلمون في فهمهم ، واتجهوا بالقرآن الكريم وجهة أخرى ، حتى إننا نرى المسلمين اليوم ، إلا من عصمه اللّه وقليل ما هم ، هجروا القرآن الكريم ككتاب هداية وإرشاد ، وشاعت بينهم فكرة تقديسه من جهات أخرى هي : جهة التداوي به من أمراض الأبدان ، وجهة استمطار الرحمة بقراءته على أرواح الموتى ، وجهة تسول الفقراء به واستغلال عاطفة الإيمان عن طريقه ، هذه البدع الثلاث ، أو المنكرات الثلاثة ، كانت أثرا لهجر المسلمين كتاب اللّه من الجهة التي أنزل لأجلها ، وكانت في الوقت نفسه عنوانا سيئا على إيمان المسلمين من حيث لا يشعرون بمكانة تلك المعجزة الخالدة ، التي جعلها اللّه سبيلا لإنقاذ البشرية من الأوهام والخرافات ، وكانت مع هذا وذاك عنوانا على الجهل بنظام الأسباب والمسببات ، الذي نظم اللّه عليه العالم ، وهدى الناس إلى السير في سبيله : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] ، يجعل اللّه القرآن سبيلا لإنقاذ البشرية من الأوهام والخرافات ، ويعكس نفر من المسلمين القضية ، فيجعلونه سبيلا من سبل الأوهام ، وعنوانا على الجهل بأسرار اللّه ونظام اللّه . الدين والعقل لا يقران هذا الانحراف : وإن تعجب فعجب أن تكتب الآية القرآنية الحكيمة في إناء ثم تمحى بالماء ، ثم يؤمر المريض بشربه ، أو تكتب قطع صغيرة من الورق ، ثم تلف كالبرشام ، ويؤمر المريض بابتلاعها ، أو تحرق تلك القطع ويبخر المريض بها على مرات ، أو توضع في خرقة وتعلق حجابا في مكان معين من جسم المريض ، وبهذا ونحوه اتخذ الدجالون القرآن الكريم وسيلة لكسب العيش من طريق يأباه الإيمان ، ويصدقه كثير من المسلمين . وذلك فضلا عن أنه انحراف بالقرآن عما أنزل لأجله ، فإن فيه إفسادا للعقول الضعيفة ، وصرفا لأربابها عن طريق العلاج الصحيح ، وتغييرا لسنة اللّه في الأسباب والمسببات ، واحتيالا على أكل أموال الناس بالباطل ، وهذا تصرف لا يقره دين ولا يرضى به عقل سليم ، فإذا تركنا هؤلاء الدجالين يعبثون في القرى والمدن بالقرآن